الجمعة، 2 أغسطس 2013

إشكالية الجيش والسلطة في مصر: دروس من آسيا

إشكالية الجيش والسلطة في مصر: دروس من آسيا

ربما يكون تدخل الجيش المصري لعزل الرئيس محمد مرسي قد أسعد المعارضين الليبراليين لجماعة الإخوان المسلمين التي دعمت انتخابه في العام الماضي، غير أن ذلك قد بدد الآمال بأن الإطاحة التي قادتها الطبقة الوسطى بنظام الرئيس حسني مبارك في 2011 يمكن أن تنتج نظاما ديمقراطيا مستقرا.
تصور الأحداث الأخيرة في مصر التحديات التي يمكن أن يواجهها أي بلد عند التحول إلى الديمقراطية: فالزعماء المستبدون يمكن أن يأتوا ويذهبوا، لكن قوات الأمن التي تسندهم نادرا ما تنصاع بسهولة لإرادة الشعب. فحتى القادة العسكريين الذين يجعلون من الممكن إزاحة الزعماء غير الشعبيين، فإنهم يكونون مستعدين لاستعادة سلطتهم عندما تفشل الحكومات الانتقالية المنتخبة شعبيا، كما يحدث في الغالب.
ثمة دروس يمكن أن تتعلمها مصر من التجربة الآسيوية، ولا سيما من اندونيسيا، حيث تم إبعاد الجيش عن السلطة مع الإطاحة بنظام سوهارتو في 1998. ومنذ ذلك الوقت، تم احتواء الجيش بشكل فعال من خلال إطار قانوني ارتكز على السيادة المدنية.
إحدى نقاط الضعف في التنمية السياسية في كل من آسيا والشرق الأوسط يتمثل في العجز عن وضع أساس مؤسسي قوي للإصلاح الديمقراطي. وجزء من المشكلة هو الأطر الأمنية والقانونية القديمة المتوارثة من عهد الاستعمار التي صممت لحماية أولئك الذين هم في السلطة. بالإضافة إلى ذلك فإن السمة الشخصية تميل إلى التفوق على الأيديولوجية ويعيق الفراغ الناتج نمو الأحزاب السياسية التي تعزز برامج اجتماعية واقتصادية معقولة. فالأولوية الأولى بعد أي انتفاضة شعبية تكمن في إجراء انتخابات، لكن الشعب ينتهي به المآل إلى التصويت وفقا للفواصل العاطفية والطائفية الغالبة في ذلك حيث يعطي الساسة قليلا من التفكير لما يجب عليهم عمله بشكل مسؤول وجماعي بحريتهم التي حققوها مؤخرا وليس السعي إلى السلطة وتعزيز مصالحهم الخاصة.
مع الفوضى وخيبة الأمل التي تعقب ذلك, يصبح الجيش طوق النجاة. فهو عادة ما يكون المؤسسة الأقوى، برؤية أوضح لم تحتاجه البلد. يدعم قادة الجيش في البداية بقوة قوى التغيير الديمقراطي ويؤكدون أنهم ليس لديهم رغبة في السلطة. لكن عندما يكون العنف الطائفي هو المنتج الثانوي للنظرة الأولى للحرية، كما يكون في الغالب، فإن حس الجيش بالوصاية على وحدة وسلامة الدولة، بما في ذلك الحاجة إلى حراسة مصالحه الاقتصادية، يتجاوز أي احترام للسيادة المدنية.
إذًا لماذا خالفت الاتجاه اندونيسيا؟ على غرار مصر، فإن تحول اندونيسيا شابته الفوضى. فعقب سقوط سوهارتو، عصف العنف بالبلد، حيث قتل أكثر من 5 آلاف شخص في حرب شرسة بين المسيحيين والمسلمين في شرق اندونيسيا. وشعر كثيرون أن عناصر ساخطة من الجيش كانت تثير النزاعات الدينية لتبرير العودة للسلطة في ظل الفوضى التي أعقبت ذلك.
وربما يكون السبب الرئيسي الذي أبقى الجيش على الحياد هو أنه أصبح المصدر الرئيسي للقيادة السياسية المدنية. فقد أظهرت العناصر القيادية في الجيش التزامها بالعملية الديمقراطية من البداية، وليس من خلال تحديها عندما ساءت الأمور، بل من خلال الترشح للانتخابات. فالرئيس سوسيلو بامبانج يودهويونو، الذي تم انتخابه لفترتين وسوف يتنحى في 2014، لم يكن جنرالا بأربع نجوم فقط لكنه كان يدير مكتب الجيش للشؤون الاجتماعية والسياسية الذي مهمته الإشراف على دور الجيش في السياسة.
وبدلا من إهدار تلاحم الجيش محل الفخر في تأسيس الدولة، احتضن الجيش الاندونيسي الحرية والسيادة الشعبية. وقد ساعد ذلك بشكل كبير على أن تستمر اندونيسيا في أن يحكمها نفس دستور عام 1945. والأهم أن الجيش لا يزال قادرا على تحقيق مصالح اقتصادية خاصة لدعم ميزانيته، ومن ثم تمويل الحملات السياسية والانتخابية والتأثير عليها.
لكل عملية تحول طابعها وسمتها الخاصة. فيمكن مقارنة مصر الآن بشكل أكثر سهولة بالفلبين في الثمانينيات والتسعينيات، عندما ساعد الجيش في الإطاحة بنظام حكم ماركوس الاستبدادي عن طريق دعم الانتفاضة الشعبية، غير أنه استمر منذ ذلك الوقت في التدخل في السياسة عندما شعر الجنرالات أن مصالحهم تأثرت. وكان في العقد الأخير فقط عندما تم في النهاية استئناث الجيش.
في ميانمار وضع الجيش ضمانات قوية لضمان قبضته على السلطة، وذلك بالهيمنة على الحزب السياسي الحاكم والاستحواذ على مجلس وزراء الرئيس الجنرال ثين سين. ومع ذلك فإن ضباط الجيش الفعليين هم ضمن الإصلاحيين الأكثر نشاطا وحيوية: فقد قاموا بتحرير وسائل الإعلام وسعوا إلى تحقيق السلام مع الجماعات العرقية المسلحة. بيد أن هناك مخاوف مستمرة بأن العنف بين الأغلبية البوذية والأقلية المسلمة يتم استغلالها من قبل القوى المحافظة العازمة على تقويض الانتقال إلى الديمقراطية.
وتقدم تايلاند درسا مفيدا: فحتى بعد أكثر من عقدين من الحكم الديمقراطي يمكن للجيش أن يتدخل عندما يشعر أن مصالحه باتت مهددة. وقد فاجأ الجميع الانقلاب العسكري في عام 2006. ومع ذلك وكما هو الحال تماما في مصر الآن، كان هناك كثير من الليبراليين الذين تقبلوا حكم المجلس العسكري لأنهم شعروا أن الجيش قد أطاح بحكومة فاسدة. غير أن ميراث هذا التدخل يتمثل في انقسام مجتمعي عميق أفرز عنفا وأثبت أنه من المستحيل المصالحة.
في الختام, فإن الطبقات الوسطى التي تكون في طليعة هذه التحولات هي التي تلام بشكل أساسي. فمن جانب فإنها تتطلع إلى الحرية التي تعد بها الديمقراطية؛ وهي لديها الموارد والتعليم لتحريك احتجاجات جماهيرية حاشدة والتعبير عن المطالب. ومن جانب آخر، يكون هناك تناقض أو ازدواجية.
وفي باكستان وقفت النخب موقف المتفرج في الوقت الذي تدخل فيه الجيش لحماية ثروته عن طريق استعادة الاستقرار. بيد أنك اليوم إذا سألت الطبقة الوسطى الباكستانية فيما إذا كانت تستحق ذلك، فإنهم يجيبون بالندم، وهذا هو السبب في أن أحد حكامهم السابقين الجنرال برويز مشرف قيد الإقامة الجبرية وسوف يمثل أمام المحكمة بتهمة الخيانة العظمى. وكما دون أحد الباكستانيين لأصدقائه المصريين: إذا اعتقدتم أن الجيش هو الحل فإن ذلك خطأ كبيرا.
* مدير منطقة آسيا في مركز الحوار الإنساني. خدمة "إنترناشيونال هيرالد تريبيون ـ نيويورك تايمز" خاص بـ"الوطن"
ميخائيل فاتيكيوتيس

هل يبقى الثاني من أغسطس .. سلعة متداولة للحاضر؟

هل يبقى الثاني من أغسطس .. سلعة متداولة للحاضر؟

أصبح الثاني من أغسطس ـ آب 1990 تأريخا فاصلا بين مرحلتين ما زلنا نئن تحت وطأته وتداعياته رغم المحاولات الجادة لطي صفحة الماضي والتطلع إلى المستقبل وبناء الثقة بين العراق والكويت.
فدفع العراق فاتورة غزوه للكويت، فتحول بفعل مرحلة ما بعد الثاني من أغسطس ـ آب بلدًا محاصرًا معزولًا عن العالم لا يقوى على مواجهة قرارات مجلس الأمن التي فرضت الحصار عليه.
فقد اعترف العراق بالكويت وترسيم الحدود معها وأقر بمبدأ التعويضات وفرض عليه حصارا دام أكثر من عقد وصولا إلى احتلاله عام 2003.
وما بين الثاني من أغسطس ـ آب 1990 والتاسع من أبريل ـ نيسان 2003 فاصلة زمنية شهدت ارتدادات ذلك اليوم الذي تحمل العراق وحده نتائجه الكارثية، خصوصا الحصار الذي حصد أرواح نحو مليون عراقي على مدى سنواته العجاف، فضلا عن تدمير بنيته التحتية بكل مفاصلها خلال حرب الخليج الثانية عام 1991 مع اعترافنا بما أصاب الكويت في ذلك اليوم.
ورغم ما أصاب العراق بعد احتلاله من تدمير وانهيار الدولة ومؤسساتها ومفاصلها، والفوضى والعنف الطائفي الذي حصد هو الآخر أرواح مئات الآلاف من أبنائه نقول: هل يكفي ما جرى للعراق؟ وهل سيبقى يدفع الثمن من دون مراعاة لتنفيذه جميع القرارات التي ترتبت على غزوه للكويت لا سيما غلق ملف المفقودين الكويتيين والتعويضات التي دفع منها نحو 40 مليار دولار من أصل المبلغ الكلي المترتب عليه الذي يربو على الخمسين مليار دولار؟ نقول: هل يكفي ذلك لطمأنة إخوتنا بالكويت حتى يخرج العراق من تداعيات الثاني من أغسطس ـ آب؟
إن الموقف المسؤول لمعالجة تركة الثاني من أغسطس ـ آب يتطلب الإقلاع عن سياسة الانشغال بالماضي وتكريسه سلعة متداولة للحاضر لاستذكار آلام ومآسي ذلك اليوم؛ لأنه سيبقى الجرح مفتوحا ويفشل أي محاولة جادة لبناء الثقة بين الشعبين الشقيقين، وطي صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة تستند إلى المصالح المشتركة وعرى الأخوة والمصير المشترك.
ومن دون مراعاة اشتراطات مغادرة الماضي فستبقى أجواء وارتدادات الثاني من أغسطس ـ آب تخيم على مسار العلاقة بين القطرين الشقيقين، وتعرقل أي محاولة مخلصة لتضميد الجراح، والخروج من دائرة القلق والخوف والتردد.
إن ما يحيط بالبلدين من مخاطر وتحديات يستدعي منهما خطوات إضافية تعيد الدفء إلى علاقتهما لترسيخ أجواء الثقة بين الشعبين الشقيقين وطي صفحة الماضي بكل مراراتها. 

أحمد صبري كاتب عراقي 
 

أسئلة المفاوضات!!؟

أسئلة المفاوضات!!؟

مفاوضات واشنطن تبدأ بين ممثلين عن السلطة الفلسطينية وحكومة الاحتلال برعاية الإدارة الأميركية. بعد فشل سلسة المفاوضات التي امتدت حوالي لستة عشر عاما، ها هي المفاوضات تعود. عادت دون أن يوقف المحتلون الاستيطان. عادت دون أن تكون المرجعية للمفاوضات معروفة ومحددة. فالرئيس الفلسطيني محمود عباس أجاب بالنفي عن سؤال يقول: هل حصلت على توكيد خطي من كيري على أن تكون المفاوضات حول حدود الرابع من يونيو 67؟ جل ما حدث أن المحتلين أمروا بإطلاق سراح 104 أسرى فلسطينيين بالتدريج؛ على دفعات. هؤلاء الأسرى هم الذين قضوا تسعة عشر عاما في السجون الصهيونية زورا وبهتانا لأن إطلاق سراحهم كان يجب أن يتم في العام 1994 أو حتى عشية إبرام اتفاقية أوسلو في سبتمبر من عام 1993.
شوارع المدن الفلسطينية في الضفة تمتلئ بالغضب على الذهاب مجددا للمفاوضات التي لا أحد يعلم تفاصيلها ومرجعياتها. هل يبحث الطرفان (الحل النهائي)؟ هذا ما تشير إليه التحركات والتصريحات المتسربة والمعلنة في تل أبيب بدليل إصدار قانون الذهاب إلى الاستفتاء في الكيان الصهيوني حال الاتفاق على حل (تتنازل فيه إسرائيل عن أجزاء من مدينة القدس الشرقية). ماذا سيبحث المتفاوضون في واشنطن؟ هل تبقى المفاوضات سرية إلى أن نفاجأ كلنا باتفاقية تماما كما حدث في أوسلو أم أن المفاوضات ستطول وتدخل دائرة العلنية مع الأيام والأسابيع؟ الحقيقة أن السلطة الفلسطينية ذهبت إلى المفاوضات من طرف واحد فلسطيني؛ لأن الشعب ومعظم الفصائل الفلسطينية يرفضان العودة إلى المفاوضات في ظل هذه الظروف.
السلطة تذهب والانقسام الفلسطيني على أشده بين رام الله وغزة. والسلطة تذهب إلى واشنطن لتفاوض وسط رفض عارم لما هي مقدمة عليه. والأسئلة أكثر من أن تحصى: على ماذا ستتم المفاوضات؟ على حدود 67؟ على حدود يفرضها العدو الصهيوني برعاية راعيته الولايات المتحدة الأميركية؟ ماذا عن القدس الموحدة الفلسطينية؟ ماذا عن المستوطنات الصهيونية؟ ماذا عن حق العودة؟ ماذا عن المياه وغير المياه؟ ماذا عن الأسرى؟ ماذا عن حدود الدولة الفلسطينية؟ ماذا عن شكل الدولة؟ وهل ستكون منزوعة السلاح أم لا؟ ماذا عن العلاقة بين الضفة والقطاع في ظل الواقع الراهن الانقسامي؟ وإذا حدث وجرى الاتفاق بين الاحتلال وبين السلطة، فهل سيخضع الاتفاق لاستفتاء شعبي؟ ومن من الفلسطينيين يمكن أن يدلي بصوته؟ هل تقتصر عملية الاستفتاء على أهلنا في الضفة الغربية؟ ماذا عن الفلسطينيين في الشتات وهم الغالبية الساحقة من الفلسطينيين؟ وماذا عن أهلنا في غزة المحاصرة؟ هذه أسئلة هي غيض من فيض من الأسئلة الحيرى في هذه الأيام. وإذا كنا نطرحها اليوم فلأننا نؤمن أن العودة إلى الطريق المجرب خاطئة دائما. لقد جربنا المفاوضات ستة عشر عاما تقريبا فماذا حدث؟ سلب الاحتلال أكثر من 87% من أراضينا في الضفة الغربية وفقدنا وحدتنا الوطنية، وأصبحنا في أضعف الحالات. وها نحن نعود إلى الطاولة كأننا مرغمون لتقديم التنازلات (كي يقال غدا إننا كنا نتحلى بالشجاعة).
هل الذهاب إلى واشنطن اليوم يمكن أن يفضي إلى حل نهائي وعادل للقضية الفلسطينية؟ هل سنحقق شيئا من حقوقنا الثابتة في وطننا؟ أسئلة برسم السلطة العائدة إلى تجريب المجرب. 


نواف أبو الهيجاء كاتب فلسطيني

جمعة "التفويض" .. ومذبحة "المنصة"!!


جمعة "التفويض" .. ومذبحة "المنصة"!!

يحاول البعض أن يصور المشهد الحاصل في مصر حاليا على أنه صراع بين الفريق أول عبدالفتاح السيسي النائب الأول لرئيس الوزراء وزير الدفاع المصري وبين الرئيس المعزول الدكتور محمد مرسي .. مثلما حدث يوم السادس والعشرين من يوليو الماضي في تناول العديد من وسائل الإعلام المصرية والعربية والعالمية لمشهد ملايين المصريين الذين خرجوا في هذا اليوم لتفويض القوات المسلحة المصرية لمواجهة العنف والإرهاب، حيث أطلقت عليهم "أنصار ومؤيدي السيسي"، بينما وصفت المعتصمين في رابعة العدوية وميدان النهضة بأنهم "أنصار ومؤيدي مرسي"، وهو وصف في مجمله يتنافى مع الحقيقة .. فالصراع الدائر حاليا ليس صراعا على السلطة بين شخصين، وإنما صراع من طرف جماعة الإخوان المسلمين من أجل استرداد السلطة التي زالت عنهم!!
كم عدد الذين خرجوا إلى الميادين والشوارع لتفويض الجيش لمواجهة العنف والإرهاب .. وعدد الذين خرجوا تأييدا للرئيس المعزول محمد مرسي؟!.. كان هذا هو السؤال الأبرز لدى فئة من المراقبيين والمحللين لتسليط الضوء على حالة الانقسام التي تتسع داخل المجتمع المصري .. وهي مقارنة ليست في محلها لأن مواجهة العنف والإرهاب مطلب شعبي "بينما جمعة كسر الانقلاب أو "جمعة الفرقان"، كما أسمتها جماعة الإخوان وأنصارها "مطلب فئوي" تطالب به جماعة هي مجرد جزء من هذا الشعب .. هذا من حيث المنطق، أما من حيث الأرقام فالمقارنة أيضا ظالمة فكيف نقارن بين 30 مليون مصري ـ لا تحركهم أي انتماءات سوى الانتماء لهذا الوطن والحفاظ عليه ـ خرجوا لتفويض الجيش من أجل مواجهة أعمال العنف التي باتت تهدد استقرار الوطن .. وبين مليون مصري على أقصى تقدير يطالبون بإنهاء ما أسموه بالانقلاب وعودة الرئيس مرسي لاستكمال فترة رئاسته الأولى والتي صارت الأخيرة أيضا!!
مشكلة جماعة الإخوان أنها لا تريد أن تعترف بالحقيقة .. رغم أنها ليست حقيقة غائبة وإنما هي في الواقع حقيقة ساطعة تسد عين الشمس، وهي أن فشل سياسات جماعة الإخوان هو الذي أوصلهم إلى تلك النهاية .. حيث انشغلت الجماعة خلال عامها الأول والأخير في الحكم بمواجهات وصراعات مع كل مؤسسات الدولة تقريبا .. بدءا بالمؤسسة العسكرية، مرورا بالقضاء والأزهر والكنيسة والإعلام وأخيرا المثقفين على خلفية قيام جماعة الإخوان بتعيين وزير لحقيبة "الثقافة" لمجرد أنه ينتمي إليهم بشكل أو بآخر، وهو ما أغضب رجال الفكر والأدب والثقافة والفنون، معلنين اعتصامهم في مكتبه لتأتي ثورة الـ30 من يونيو لتطيح بهذا الوزير الذي لم يدخل مكتبه قط!!
جماعة الإخوان لا تزال تصر على أن ما حدث يومي الـ30 من يونيو والـ3 من يوليو انقلاب على الشرعية، في حين على الجانب الآخر هناك من يرى أنه ليس انقلابا، وإنما زحف شعبي غير مسبوق حين خرج الشعب المصري ليعلن تمرده ويطالب بإسقاط حكم الإخوان الذي ـ حسب الرأي الآخر ـ شهدت مصر خلاله أزمات عديدة أخطرها تهديد الأمن القومي المصري وما يجري في شمال سيناء من هجوم إرهابي يومي على أكمنة الجيش والشرطة في العريش والشيخ زويد ورفح يعلمه العالم أجمع .. والقوات المسلحة المصرية أعلنت خريطة الطريق استجابة لإرادة شعب أسقط الشرعية عن الرئيس!!
مأزق الجماعة الحقيقي ربما هو تصورها أنها لن تعود إلى الحكم لعدة عقود بعد أن انهارت شعبيتها بين عامة الشعب، مع أن التصور والواقع شيء آخر، فليس الخروج من السلطة يعني نهاية المطاف، وهذا ما يجب أن تعيه الجماعة، بل عليها أن تعدل ما وقعت فيه من أخطاء وتأخذ الواقع المصري من جميع زواياه.
إن مذبحة المنصة التي جرت فجر السبت الماضي وأودت بحياة العشرات وإصابة المئات المسؤول الأول عنها ـ حسب بعض الروايات ـ هم جماعة الإخوان حين قرروا توسيع نطاق اعتصامهم بالامتداد مسافة ما يقرب من كيلومتر وبناء أسوار حجرية على أهم طريق يربط مدينة نصر، وهو ما شكل استفزازا لرجال الأمن الذين حصلوا للتو على تفويض الشعب لمواجهة العنف والإرهاب .. وأمام هذا المشهد اضطرت الشرطة لاستخدام القنابل المسيلة للدموع لإبعاد وتفريق هؤلاء المعتصمين الذين رد بعضهم ـ حسب وزارة الداخلية ـ بإطلاق الأعيرة النارية، وهو ما أدى إلى مبادلتهم إطلاق النيران ليسقط عشرات الضحايا ومئات المصابين.
ثمة اعتقاد سائد لدى عدد من المراقبين بأن جماعة الإخوان أدركت تماما أنها قد فقدت رصيدها في الشارع المصري، وأنه لو جرت انتخابات برلمانية مقبلة لن تحصل سوى على مقاعد تقل كثيرا عن المقاعد التي كانت تحصل عليها أيام نظام حكم مبارك .. وهذا هو السبب الذي دفع الرئيس المعزول محمد مرسي لرفض فكرة إجراء استفتاء على بقائه لأنه كان يدرك هو وجماعته النتيجة التي كانت ستطيح به بكل تأكيد .. وأن أمام هذا المأزق تم تصوير ثورة الـ30 من يونيو على أنها ثورة ضد الإسلام وكأن غالبية الشعب المصري غير مسلمين .. فالصراع الحالي ليس صراعا دينيا!! 


سامي حامد صحفي وكاتب مصري

المفاوضات تُسْتأْنَف مع بقاء أسباب توقُّفها!


المفاوضات تُسْتأْنَف مع بقاء أسباب توقُّفها!

مرَّة أخرى، ينجح "الوسيط"، الذي هو دائمًا الولايات المتحدة، في إعادة الفلسطينيين والإسرائيليين إلى طاولة المفاوضات، التي لو نطقت، لصرخت قائلةً: لقد مللتُ الطرفين، ومفاوضاتهما؛ فليس هكذا يكون التفاوض!
إنَّها أطول وأصعب وأشق مفاوضات في تاريخ التفاوض والدبلوماسية في العالَم، وربما في التاريخ؛ وإنَّها لأكثر المفاوضات مروقًا من أصول وقواعد ومبادئ التفاوض، وانتهاكًا لها، ولا غرو، من ثمَّ، في انتهاء كل جولة من جولاتها إلى فشل أكبر من ذي قَبْل.
ودائمًا، يعود الطرفان إلى طاولة المفاوضات بعد أنْ يعود الطرف الفلسطيني على أعقابه؛ فَمِنْ قَبْل، فشلت المفاوضات؛ لأنَّ حكومة نتنياهو مَضَت قُدُمًا في البناء الاستيطاني (في الضفة الغربية، وفي القدس الشرقية على وجه الخصوص) وكأنْ لا وجود لمفاوضات بينها وبين السلطة الفلسطينية، التي أعلن رئيسها محمود عباس وَقْف التفاوض، وإصراره على عدم العودة إلى طاولة المفاوضات قبل التزام إسرائيل وَقْف كل نشاط استيطاني لها في الأراضي الفلسطينية التي تحتلها؛ لكنَّه عاد أخيرًا إلى "الطاولة" من غير أنْ يَصْدُر عن حكومة نتنياهو ما يشير إلى أنَّها لبَّت، أو تعتزم أنْ تلبِّي، لعباس هذه المطلب، الذي بعَدَم تلبيته يظل رئيس السلطة الفلسطينية عاجزًا عن إقناع الفلسطينيين بجدوى استئناف التفاوض مع إسرائيل، ولو تسلَّح بوعود لتنمية اقتصادية واسعة في الضفة الغربية؛ فالفلسطينيون ما زالوا يَفْهَمون المفاوضات على أنَّها الطريق إلى مزيدٍ من الاستيطان، ويَفْهَمون استمرار (وتزايد) الاستيطان على أنَّه الطريق إلى استئناف المفاوضات؛ وهذا ما يجعل "العبثية" قرينًا للمفاوضات.
إسرائيل أكَّدت، غير مرَّة، أنَّ نشاطها الاستيطاني سيستمر، ولن يتوقَّف أبدًا، في مناطق من الضفة الغربية (التي تشمل القدس الشرقية) تصر على أنْ تكون، أو تصبح، جزءًا لا يتجزَّأ من إقليم دولتها؛ وهذا ما يُفسِّر ويعلِّل رفضها المطلق أنْ يكون "خط الرابع من حزيران" هو نفسه خط الحدود النهائي والدائم بينها وبين "الدولة الفلسطينية".
الولايات المتحدة سَلَّمت لها بذلك، والدول العربية (التي شاركت وزير خارجيتها كيري في مساعيه لاستئناف المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين في واشنطن) سلَّمت لها هي، أيضًا، بذلك؛ إذْ أعلنت قبولها حلًّا لمشكلة "الحدود" يقوم على "تبادل الأراضي"؛ أمَّا "المفاوِض الفلسطيني"، الذي يَئِس من نجاح سعيه إلى حَمْل إسرائيل على وَقْف نشاطها الاستيطاني، فدعا (في ما يشبه تنازلًا عن شرطه وَقْف النشاط الاستيطاني قبل، ومن أجل، استئناف المفاوضات) إلى مفاوضات (لا تدوم طويلًا) للاتِّفاق على حلِّ مشكلة "الحدود" أوَّلًا؛ وهذا إنَّما يعني أنَّ هذا "المفاوِض" يريد معرفة الأراضي الفلسطينية التي تريد إسرائيل جعلها جزءًا من إقليم دولتها، والأراضي الإسرائيلية التي ستتنازل عنها للفلسطينيين تعويضًا لهم عن خسارتهم (الإقليمية) تلك؛ فإذا جاءت صفقة "تبادل الأراضي" مُرْضِيَةً له (أو إذا رضي بها على مضض) انتهى النشاط الاستيطاني الإسرائيلي بصفة كونه نشاطًا غير مقبول فلسطينيًّا، ويمثِّل عقبة كبرى في طريق التفاوض للتوصُّل إلى حلول نهائية لسائر المشكلات الكبرى الأخرى,
حتى هذا الاقتراح (الفلسطيني الذي فيه كثير من التفريط في حقِّ الفلسطينيين في أنْ يشمل إقليم دولتهم كل أراضيهم التي احتلتها إسرائيل في حرب (1967 لم تقبله حكومة نتنياهو بما يسمح باستئناف التفاوض مع الفلسطينيين؛ فهي تريد أنْ يشمل "الضَّم" ما لا يمكنه أنْ ينال موافقة "المفاوِض الفلسطيني"؛ كما أنَّها لا تريد تعويض الفلسطينيين (إقليميًّا) بما يَحْملهم على قبول صفقة "تبادل الأراضي".
وإلى هذه العقبة أضافت حكومة نتنياهو عقبة أخرى هي اشتراطها أنْ تُحَلَّ أوَّلًا، في سياق المفاوضات المستأنَفَة، مشكلة "الأمن الإسرائيلي"؛ وليس من حلٍّ لهذه المشكلة، يُرضي إسرائيل، إلاَّ الحل الذي فيه تُلبَّى "حاجات إسرائيل الأمنية" بما يَذْهب بكثيرٍ من مقوِّمات "السيادة الفلسطينية"؛ فإنَّ جَعْل "السيادة الفلسطينية"، أيْ سيادة "الدولة الفلسطينية"، "شكلًا فقير المحتوى والمضمون"، هو الحل الذي فيه، وبه، تلبِّي إسرائيل "حاجاتها الأمنية".
ومن هذا الحل الذي تريده إسرائيل لمشكلتي "الحدود" و"الأمن"، يأتي "حلُّ الدولتين"؛ فَتَقْبَل الدولة اليهودية قيام دولة فلسطينية؛ لكنها لن تَقْبَل قبولًا نهائيًّا قبل أنْ يُعْلِن الفلسطينيون في "اتفاقية الحلِّ النهائي" أنَّ نزاعهم مع إسرائيل، وبكل أوجهه وجوانبه وأبعاده، قد انتهى؛ وهذا "الانتهاء" إنَّما يعني، إذا ما أبدى الإسرائيليون "مرونة"، قبول الفلسطينيين حلًّا نهائيًّا لمشكلة "اللاجئين" في خارج حدود وإقليم دولة إسرائيل؛ أمَّا إذا ما ظلَّ الإسرائيليون على تشدُّدهم التفاوضي والسياسي، فإنَّه يعني أنْ يعترف الفلسطينيون بإسرائيل على أنَّها "دولة يهودية (لا مكان فيها، ولا سيادة، إلاَّ لـ"الشعب اليهودي")".
إنَّ الوسيط كيري لم ينجح، على كثرة وعِظَم ما بذله من جهود ومساعٍ، في التأسيس لحلول نهائية للمشكلات الكبرى؛ لكنَّه يَتَوقَّع أنْ ينجح في التأسيس لحلٍّ فيه من معاني "الاحتيال" أكثر كثيرًا ممَّا فيه من معاني "الحل"؛ وأحسبُ أنَّه يحاوِل شقَّ الطريق إلى "حلِّ الدولتين" من طريق "حلِّ المشكلات التي يمكن حلها الآن"، وتَرْك "المشكلات التي يستعصي حلها الآن" للمستقبل، ولـ"الواقع" الذي يمكن أنْ يأتي بما يَجْعَل "الأمر الواقع" حلًا لها؛ إنَّه "حلٌّ (للمشكلات)" بـ"الاحتيال (عليها)"! 

جواد البشيتي كاتب فلسطيني ـ الأردن

مئة كلمة وكلمة في قواعد الحياة

تعليم الذات وتأديبها أولا
مئة كلمة وكلمة في قواعد الحياة
 
شبكة النبأ: توجد في كتاب نهج البلاغة لأمير المؤمنين، الامام علي بن ابي طالب عليه السلام، قواعد للفكر والسلوك، يمكنها، فيما لو التجأ إليها الفرد والمجتمع، أن تفتح مسارات صحيحة لهذا البناء، شريطة الالتزام بالتطبيق بعد الايمان بها، وهي من نوادر الحكم وجواهر الكلم، وكلنا نتفق على ان الانسان يحتاج الى قواعد صحيحة للبناء، لكي يبني حياته بالصورة الصحيحة، وطالما ان المجتمع يتكون من مجموع الافراد وتقاربهم مع بعض، فإن المجتمع برمته يحتاج الى تلك القواعد السليمة حتى يبني عليها حياته، وهذه القواعد موجودة في نهج البلاغة، إذ تهدف سلسة مقالات (مئة كلمة وكلمة)، أن تصل الى قواعد تساعد الانسان على البناء السليم، لاسيما اننا نعيش في عالم محتقن، تحكمه ضوابط ومصالح وأخلاقيات مادية بحتة.
إن حب الذات والتباهي وتفضيل النفس على سواها، نزعات تنطوي عليها تركيبة الانسان، وقلما تجد انسانا غير شغوف بالاعجاب بنفسه وشخصه، وقلما تجد من لا يفضل نفسه وذاته على غيره، لأن الامر يحتاج الى قدرة كبيرة وأصيلة على ردع الذات وتحييد نزعة التفضيل الكبيرة والراسخة في اعماق الانسان، وهي نزعة تشبه حاجة الانسان للغذاء على سبيل المثال، والامتناع عن الطعام يتطلب ارادة صوم قوية جدا تساعد الانسان على تحقيق هدفه في عدم تناول الطعام، كذلك الحال مع حالة الكف عن التباهي بالذات، حيث يحتاج الانسان الى صبر وفهم وارادة فاعلة و واعية لتحييد التباهي الذاتي كليا.
تعليم الذات قبل الآخرين
يلاحظ المعنيون بعلم النفس، أن الانسان غالبا ما يميل الى نصح الآخرين، متناسيا أنه نفسه يحتاج الى النصح والتصحيح، لكن الناس في الغالب لا ترى عيوبها الذاتية، بل معظم الناس يتباهون بعلمهم ومعرفتهم ومزاياهم، في الوقت الذي يلصقون النواقص في الاخرين حتى لو كانت غير موجودة فيهم أصلا.
لهذا على الانسان أن يتنبّه اولا الى نواقصه هو، وأن يصحح اخطائه في القول والعمل، وعندما يفكر أن يكون معلما للاخرين، لابد أن يكون صالحا لهذه المهمة العسيرة، وأول شرط فيها أن يكون المعلم كاملا، أو لا تنطوي شخصيته على عيوب، حتى يكون مثالا للاخرين، يحذون حذوه، ويعملون في ضوء اقواله وافعاله، بل يجب أن تتقدم سيرة الانسان على قوله.
لذلك نقرأ في كتاب (نهج البلاغة) للامام علي بن اي طالب عليه السلام، تأكيدا على أهمية تعليم النفس اولا، ليس بالقول فحسب إنما يجب أن يتقدم العمل على القول وأن يكون الانسان قدوة لغيره ومثالا يحتذى به من لدن الناس الآخرين، إذ نقرأ في نهج البلاغة: (مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلنَّاسِ إِمَاماً فَلْيَبْدَأْ بِتَعْلِيمِ نَفْسِهِ قَبْلَ تَعْلِيمِ غَيْرِهِ وَ لْيَكُنْ تَأْدِيبُهُ بِسِيرَتِهِ قَبْلَ تَأْدِيبِهِ بِلِسَانِهِ وَ مُعَلِّمُ نَفْسِهِ وَ مُؤَدِّبُهَا أَحَقُّ بِالْإِجْلَالِ مِنْ مُعَلِّمِ النَّاسِ وَ مُؤَدِّبِهِمْ).
إن المقصود بمفردة الامام في النص أعلاه، بمعنى المعلم، الذي يتيح لنفسه مكانة ودرجة النموذج الافضل للناس، لهذا يؤكد الامام علي عليه السلام، أهمية أن تكون شخصية المعلم (الامام) الذي يعلم الاخرين خالية من الاخطاء، حتى يصلح ان يكون مثالا ونموذجا للاخرين، على ان تتقدم الافعال على الاقوال، بمعنى، لا يصح للمعلم ان يكون مثالا للناس باقواله فقط، بل بالاعمال والافعال التي يقوم بها، حتى يتعلمون منه الشيء الصحيح الملموس والمرئي، وليس المسموع فقط، لأن النصائح المسموعة تحتاج الى افعال تدعمها.
معلّم النفس هو الافضل
يمكننا ان نستوحي من النص المأخوذ من كتاب (نهج البلاغة)، معان كثيرة، ودلالات كبيرة، ولعل الاوضح فيها والأهم، أن الانسان الذي يبدأ بتشذيب نفسها وتهذيبها وتعليمها، خير من الانسان الذي ينسى هذه المهمة، ويبدأ بتعليم الاخرين متبجحا في الغالب بأنه أفضل منهم، لذلك كثيرا ما نلاحظ في حياتنا اليومية، رجال يتصدرون المجالس والندوات والحلقات النقاشية والجلسات العامة الاجتماعية او الثقافية او الدينية، يتبجحون بأعلمهم وأفضليتهم، وعندما نأتي الى واقع افعالهم وسيرتهم، نلاحظ تناقضا كبيرا بين ما يقولون وما يفعلون.
حتى أن النص القرآني الكريم جاء صريحا في مثل هؤلاء، إذ تقول الآية الكريمة (يا أيها الذين آمنو، لِمَ تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون)، لهذا يؤكد النص المأخوذ من نهج البلاغة، على أولوية تعليم النفس قبل تعليم الاخرين، بل ان معلم النفس أكثر تفضيلا من معلم الآخرين، لأن الفائدة تكمن اولا في ضمان التعليم الذاتي واكتمال شخصية المعلم، حتى يكون مؤهلا للتعليم وقادرا على نقل علمه بالفعل والقول الى المتعلمين.
أما من يرى نفسه افضل من الناس، فهو لا يصلح لتعليمهم، ومن المؤشرات التي نلاحظها في المجتمع، ان كثيرا من قادة الناس والنخب، ينصبون أنفسهم معلمين للاخرين، وهم أنفسهم بحاجة التى التهذيب والتعليم، لذا يركّز النص المستل من (نهج البلاغة) على اهمية أن يبدأ الانسان بنفسه ثم الآخرين.
شبكة النبأ المعلوماتية- الخميس 1/آب/2013 - 23/رمضان/1434

الهمّة العالية والوصول الى قمة النجاح

الهمّة العالية والوصول الى قمة النجاح
قبسات من فكر المرجع الشيرازي
 
شبكة النبأ: واجه الفكر الأصيل والكلمة الطيبة التي "أصلها ثابت وفرعها في السماء"، الكثير من الهجمات الشرسة بهدف التصفية والإلغاء أو التهميش، طيلة العهود الماضية، وكان محور الصراع والمواجهة يقع في العراق بالدرجة الاولى، فقد جاءت الهجمات والضربات من أنظمة حكم تارةً، ومن التيارات الفكرية تارةً أخرى، ويمكن الاشارة الى حقبة الدولة العثمانية، حيث شنت حملات قمع واضطهاد وحشية في بعض المراحل ضد شيعة أهل البيت عليهم السلام، لكسر شوكتهم وتجريدهم من هويتهم الدينية والحضارية، وبموازاة ذلك عملت الوهابية الشيء نفسه وبقدر أكبر من القسوة والوحشية. ثم تراجع القمع والاضطهاد المنظم والرسمي مع زوال الدولة العثمانية، وتأسيس الدولة العراقية الجديدة عام 1920، لكن استبدل القمع الرسمي بحملة جديدة من تيارات فكرية وثقافية وافدة، تمثل بالماركسية والقومية. ثم نشير عجالةً، الى الحقبة السوداء للنظام الصدامي. وجرى ما جرى في العراق.
صحيح، أن شيعة أهل البيت عليهم السلام، قدموا تضحيات جسام، فقد سفكت دمائهم وانتهكت أعراضهم ونهبت دورهم وحرقت مؤسساتهم وحسينياتهم، بل حتى تم التعرّض لمراقد الأئمة المعصومين في فترات من الزمن الغابر. لكن الصحيح ايضاً أنهم كانوا يقفون على أرض وقاعدة حديدية من العزم والإرادة على حماية الفكر الأصيل والثقافة الاسلامية المستمدة من القرآن الكريم وسيرة المعصومين عليهم السلام، متمثلاً بجهود وتضحيات كبيرة، لنشر الوعي والثقافة وتكريسها في المجتمع، من خلال تأسيس المدارس الدينية والمكتبات والتأليف والتبليغ، نهض بها علماء وخطباء ومفكرون، منهم من دفع حياته ثمناً في هذا الطريق، ومنهم من تعرّض للتسقيط والتهميش والتهجير، ومنهم من تعرض للاعتقال والتعذيب. ثم تحوّل هؤلاء من طليعة في المسيرة الى شريحة كبيرة في المجتمع، فوجدنا مقاطعة الظلم والطغيان والجهر بالقول الحق، من أناس مؤمنين ومضحين. فاذا نجد المظاهر الدينية والطقوس والشعائر تقام بحرية وعلى نطاق واسع في الوقت الحاضر، فان الفضل يعود الى تلك التضحيات الجسام.
لكن هل ما مرّ يعني أننا رسونا الى برّ الأمان..؟ بالطبع كلا؛ فالهجمات تبدو أكثر خطورة في الفترة الراهنة، وهذا ما ينبهنا اليه سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الشيرازي – دام ظله- في إحدى بياناته الرمضانية، حيث يعبئ الجهود ويحث المشاعر للمزيد من العمل والنشاط لنشر الوعي والثقافة الأصيلة، والتحدي بعزمٍ وإصرار. يقول سماحته: "صحيح إن الزمان الذي نعيش فيه الآن هو ليس كزمن العثمانيين الذين كانوا يصبّون أذاهم على الشيعي لمجرد لعنه ليزيد بن معاوية – مثلاً- لكن أعداء الإسلام اليوم قد جنّدوا إمكانات هائلة وضخمة جداً في ممارسة التضليل والتحريف من خلال وسائل الإعلام لمحاربة مذهب أهل البيت صلوات الله عليهم".
طبعاً سماحته، يشير في سياق حديثه الى علماء ورموز دينية كبيرة – وليس فقط أشخاص عاديين- استبصروا بنور أهل البيت سلام الله عليهم، وهذا ما يدفعنا للتساؤل عن عدد هؤلاء العلماء الذي استبصروا في الفترة الراهنة، او حتى الى عقد أو عقدين من الزمن..؟ صحيح إننا نشهد استبصار اعداد كبيرة من المسلمين وغير المسلمين بنور أهل البيت عليهم السلام، من مختلف بقاع العالم، لكن الصحيح ايضاً، أن تحوّل واستبصار المثقف والمفكر وعالم الدين، الذي يُعد طليعة المجتمع وقمته الفكرية والعقائدية، يترك أثراً أكبر وأعمق في النفوس، ولنقل؛ يحدث هزّة عنيفة في العقول ويثيرها للبحث عن الحقيقة، وهنا تحديداً يجب أن نبحث عن الآلية المطلوبة للوصول الى هكذا مستوى من التأثير في الطرف المقابل، تطبيقاً للقول المأثور: "أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم".
سماحة المرجع الشيرازي يشير الى "الهمّة العالية" في ساحة المواجهة، ويقارن بين الظروف التي عاشها العلماء والمفكرون والخطباء في الازمان الماضية، حيث كانوا أقلية أمام الانظمة السياسية والتيارات الفكرية، وكانوا عرضةً للقمع والاضطهاد والتنكيل، لكن هذا لم يثنهم عن السعي والعمل على النشر والتوعية والتثقيف، يقول سماحته أنهم: "بهممهم العالية استطاعوا أن يوصلوا لنا أمانة التشيّع ونهج أئمة الهدى الأطهار صلوات الله عليهم".
ويمكن الإشارة في هذا الصدد، الى أهم وأبرز مثالين شاخصين في الساحة العراقية والاسلامية، هما: سماحة الإمام الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي وشقيقه المفكر الاسلامي الشهيد آية الله السيد حسن الشيرازي – قدس سرهما- فهذان العلمان، يمثلان بالحقيقة، رمزاً وتجسيداً حقيقياً للتحدي والتضحية من اجل نشر مبادئ وقيم الدين وثقافة أهل البيت عليهم السلام، فالأول؛ واجه التهديد والتهجير ثم التسقيط، أما الثاني: فقد واجه الاعتقال والتعذيب ثم الاغتيال برصاصات غادرة. فاذا اردنا البحث عن مصاديق للهمة العالية التي يطالبنا بها سماحة المرجع الشيرازي، ربما علينا البحث في تاريخنا المعاصر لإيجاد اسماً او اسمين او اكثر، بيد ان "الشيرازيّين" وبإقرار القاصي والداني، جسدا الهمّة العالية والتضحية بلا حدود.
ولو تصفحنا قليلاً سجل المواجهة المحتدمة في القرن الماضي، وقارنا الظروف القاهرة والرهيبة التي عاشها المفكرون والعلماء والخطباء وغيرهم من الشريحة الواعية المتصدية، وبين الظروف التي نعيشها اليوم، حيث الحرية المطلقة في إبداء الرأي والحديث والنشر وممارسة الشعائر والطقوس، لعرفنا حجم تلكم التضحيات الجسام التي أوصلتنا الى هذا المستوى من التقدم أمام المدارس الفكرية الاخرى، بحيث يمكن القول بوجود الهوية الدينية لدى المجتمع، وهذا يعد نجاح كبير وعظيم، إذ إن الجهود المبذولة من الطرف الآخر في تلك الحقبة كانت منصبّة على استهداف هذه الهوية وقتلها.
لذا نجد سماحة المرجع الشيرازي يوثق الصلة بين الهمّة العالية وبين النجاح في الحياة، حيث يقول: "إذا كان المرء صاحب قوة بدنية، وثروة، وعلم، ولم يكن يعاني من أية مشكلة، وكان سليم البدن وفي راحة بال وكان في الوقت نفسه فاقداً للهمة، فهذا إنسان غير موفق. وفي هذا الصدد قال مولانا الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه: «ما رفع امرءاً كهمّته»".
وهذه دعوة صادقة ومفتوحة للجميع لأن يستفيدوا من علومهم وقواهم البدنية والذهنية وثروتهم لتكون خير شاحذ للهمم ودافع نحو إنجاز المزيد من الاعمال والنشاطات والمشاريع الرامية الى تكريس الوعي والثقافة في الوسط الاجتماعي. مع الحاجة الماسّة والشديدة في الوقت الحاضر لمزيد من الضخ الفكري والثقافي في الساحة لمواجهة ما نشهده من سيل عارم من الافكار الدخيلة والثقافات والعادات الوافدة من الخارج، وهذه بالحقيقة مسؤولية الجميع.
شبكة النبأ المعلوماتية- الخميس 1/آب/2013 - 23/رمضان/1434